ما من مفردة كالثقافة، قد حظيت بعناية الباحثين، في ميادين العلوم الانسانية بعامة، والعلوم الاجتماعية بخاصة، فلا يكاد يخلو منها بحث أو مؤلف، وهي قد شغلت في أدبيات هذه العلوم وقواميسها مكان الصدارة منها. كما أثارت فضول الباحثين، واستقطبت اهتمام الدارسين بما لم تحظ به أية مفردة أخرى، وهي قد اقترنت بالكثير من المفاهيم، وبصيغ معرفية مختلفة، باختلاف وجهات نظر المعنيين، وأطرهم النظرية ومرجعياتهم الفكرية، وما يدينون من المدارس الفلسفية، والمذاهب التي تقيد، توجهاتهم ومناهجهم وتتحكم بعقائدهم العلمية.
ان ثقافة القوم كما يراها البعض، تعبر عن نفسها بانساق من العادات والتقاليد المشتركة، التي تصطبغ بها مجموعة ما، بحيث تتميز من خلالها عن سواها، والثقافة من وجهة النظر الأخرى، علاقات الانتاج، التي ترتبط وظيفيا" بنظمه وأدواته. ويراها فريق آخر تراث الأمة وركامها المعرفي، فهي في جانب منها راسبها الثقافي، وحصيلة عطائها الفكري، ونتاج مبدعيها في مجالات الآداب والفنون على مرّ العصور، انتهاء" بالمعاصرين والمحدثين منهم، ففي أطرها يتشكل سلوكها الاجتماعي، وبها تتميز ذائقتها وحسها المعرفي والجمالي.
وثمة فريق آخر يجد في الثقافة، مفهوما" ذهنيا" ومعرفيا" وسلوكيا"، يستوعب كل المتغيرات السابقة، وتتشكل في أطره ملامح الأمة، وطابعها العام، ويستمد منها الفرد مقومات شخصيته، وعوامل كينونته بعدّه كيانا" وجوديا" متميزا"، لا على أساس فرديته ككائن بايولوجي فرد، مع أهمية هذا الجانب البالغة الأهمية، بل على أساس انسانيته، بعدّه كائنا" وجوديا" اجتماعيا"، تحدد بيئته الثقافية سماته العقلية، ونزعاته النفسية الوجدانية، بل وقسم لا يستهان به من أداءه البدني.
ولعل في المفهوم الأخير للثقافة، أكثر من مغزى، وهو يدفع بالباحث الى مداخل رحبة، تمكنه من وضع قراءته لهذا الموضوع، في غير الوضع الذي تفترضه، أو تفرضه المفاهيم الأخرى. فتكون الثقافة :
أولا" : ليست مجرد أنساق ومنظومات من السلوك الجمعي، تعبر عن نفسها بعادات وقيم وتقاليد أو طقوس اجتماعية مجردة، يتلقاها الفرد مستسلما" لها، ومستجيبا" لاستحقاقاتها بشكل قسري وتعسفي، بعدّها قدرا" مقدرا"، لا حول له أزاءه ولا قوة. وعلى العكس تماما"، فهي على المستوى الشخصي، وجود حسي يعبر عن نفسه، بسلوك اجرائي يؤديه الفرد بوعي وارادة، وغالبا" ما يكون أداء" ظاهرا" للعيان، وقابلا" للملاحظة والقياس، وبالتالي فليس ثمة استحالة في تقويم هذا الأداء، ومن ثم تعديله او توجيهه، بالاتجاه الذي تقتضيه حاجات الفرد، وقواه الدافعية في اطار منظومته الاجتماعية، وعلى وفق قوانين السلوك وآلياته المعروفة، كما تحددها القوانين السايكولوجية ذات العلاقة.
ثانيا" : يمكن التعامل معها بعدّها، مخرجات تعلمية يكتسبها الفرد، بالتعامل المباشر مع بيئته الاجتماعية، وهو يستقبل من مدخلاتها، ما يلبي حاجاته ويتناسب مع قدراته، بعدّ هذه الأخيرة بمثابة متغيرات وسيطة، يكون لها أثرها في سياق عمليات التعلم الاجتماعي، وما ينتج عنها من مظاهر سلوك فردي. ولعل في هذه النقطة ما يجيز لنا القول، ان مفهوم الثقافة الذي تحدده أنساقها الاجتماعية، شيء يختلف جوهريا" عما هي عليه، على مستوى أنساقها السلوكية الفردية. فالثقافة بالمفهوم الاجتماعي ذات معنى شمولي، يلزم في الغالب كل المؤسسات المجتمعية، وهي نمطية ترقى في حالات معينة، الى مستوى التقديس. وعلى العكس من ذلك، نجد دائما" ان هناك من الفروق الفردية، ما يكفي للتمييز بين أ













