ملحمة الأمية الثقافية

كتبهاالمركز الثقافي لحقوق الانسان ، في 4 حزيران 2007 الساعة: 03:01 ص

يعرف الداني والقاصي أن نسبة الأمية في البلدان العربية مرتفعة جدا إلى حد يثير بكاء الأحبة وشفقة الأعداء على السواء! حتى أن المرء يحار حقا، هل هذا الكم الهائل المُغَيّب من الذين لا يعرفون حتى كتابة أسمائهم مكتفين ببصمات إبهاماتهم تعريفا بأنفسهم مجرد أرقام لا غير،ثم هل يمكن أن يُصَنّفَ هذا الكم الهائل ضمن فئة المغلوب عليهم ولا الضالين، وكأن محنتهم مرتبطة بما رسمتها الأقدار لهم، بحيث لا دور للإنسان مطلقا في زحزحة أميتهم والقضاء عليها، أم أنهم جيوش جرّارة وكتل عمياء تم الإبقاء على وضعها، كيما يجري تحريكها، عند الضرورة، من قبل أنظمة الظلام وفقهاء الأمية، بحسب أهوائها ومتطلبات مطامعها الأنانية، من أجل البقاء أطول فترة ممكنة في السلطة من جهة، أو بغية نشر الأفكار والتأويلات المتحجرة من جهة ثانية؟ 

إذ ما معنى تزايد نسبة الأميين في البلدان العربية في زمن غزو الفضاء الخارجي، مقابل زيادة تردي الأوضاع والشروط المعيشية والتعليمية والصحية والإنسانية البديهية، وتضاؤل الأمل في مستقبل أفضل، في أمّة تعيش فوق بحار من النفط والغاز الطبيعي؟ ماذا يعني تصحّر العقل، وتفاقم الكبت والحرمان والتحجر الفكري والإجتماعي، وتنامي الفكر الإقطاعي واتساع ضيق الأفق، في زمن التحولات الصناعية والتكنولوجية الكبرى؟ ماذا يعني تغييب المرأة والنظر إليها على أنها عورة أو مجرد أداة للتفريخ وعضولإشباع حاجات جنسية لا غير؟ لماذا يجري تكفير أو سفك دم الآخر، تحت ذرائع المغايرة الطائفية أوالمذهبية أوالفكرية أو بسبب طريقة المأكل أو الملبس، بحيث أصبحت اللحية معيارا، والشواربُ رمزا للفحولة واجتراح المعجزات( يا ما أكثر الهزائم وأبشع مردودات العار!)  ثم ما الذي خوّل فئات متحجرة  خارجة للتو من كهوف الجهل بسيوفها وخناجرها، لكي ترسم لنا ولأبنائنا الحاضر والمستقبل؟ ولماذا تحولت ممارسة المستعمر التي كنا نُحَذّر منها ونبغضها، في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، القائمة على فكرة" فَرّقْ تَسُدْ" إلى نهج وممارسة وبلا حياء تستند إليهما غالبية السلطات العربية والجماعات التكفيرية المتحجرة على السواء؟

كنا قد ترَبّينا في جُلنا، على مبدأ: "مَنْ علّمني حرفا مَلكني عبدا"، لماذا تحول هذا المبدأ النبيل الذي سنّه أسلافنا العظام، إلى ممارسة تعتمد على نهج: " مَنْ أعطاني درهما أو كرسيا ملكني عبدا"؟ أو على طريقة: "جَوّعْ كلبكَ يَتْبَعكَ "؟

على أن هذا هو المدخل لملحمة "أمية الثقافة" العربية. إنْ كنتَ لا تقرأ أخي المواطن المنكوب، وبقيتَ محافظا على كرامتك وإنسانيتك، فهذا أمر يمكن غفرانه، بل يمكن معالجته، ولكن إن كنتَ تعرف القراءة والكتابة، وقد وقّعْتَ على وثيقة خيانة ضميرك، فأنت صفر على الشمال.

الأمية تعني، في السُلّم الأول للتعريف، عدم التمكن من القراءة والكتابة، وهي أحد مقاييس تخلف أو تقدم أمّة من الأمم، وإزالتها يعني بلوغ المرحلة الأولى على طريق تقدم بني البشر. لكن هناك أمية أخطر منها بملايين المرات، إنها أمية المثقفين أوالمحسوبين على الثقافة. وهؤلاء ينقسمون بدورهم على صنفين: صنف لا يدري أنه جاهل، وصنف  يعرف محدودية إمكانياته المعرفية، ويدرك ضمنا مقدار جهله، إلا أنه يوغل في جهله وتعزيز دوره التجهيلي في المجتمع. هؤلاء، تجدهم في كل مكان يملأون الصحف والأحزاب السياسية والنقابية والمنابر الدينية والمؤسسات التعليمية والمؤسسات الثقافية، متنقلين بسهولة وبراعة ما بين الثقافة والسياسة، ما بين سلطة القلم ، لا الإبداع، وسلطة النفوذ. يمتلك هؤلاء"المثقفون" قدرة هائلة من الوهم والإيهام على السواء. وَهْمُ أنهم يفقهون ويعرفون، وقدرة على إيهام الآخرين بحقيقة هذا الوهم!  يتمتع قسم منهم بخاصية أخرى مزيدة ومنقحة، تتمثل في حاسة شم متطورة للغاية، ومِجَسّ يوجههم إلى أصحاب القرارات والمتنفذين وذوي الحظوة والشأن.

هؤلاء يباركون أمّية الثقافة، بوعي أوبدون قصد. الأمية الثقافية تعني أيضا الافتقاد إلى المرونة فكرا وممارسة، في التعامل مع الذات ومع الآخر، مع الماضي-الموروث ومع الحاضر ومستجداته، مع مفردات الحضارة ومنجزاتها. قلتُ: هؤلاء يباركون أمية الثقافة، مهللين لها ومساهمين في اصطناع رموزها- رموزهم الثقافية والسياسية والدينية، تراهم يصطنعون بين الفترة والأخرى أسماء لا علاقة لها بالإبداع، معتبرينها ظاهرة تستحق التوقف. المبدع الحقيقي ليس من الضروري أن يكون عالما ولا من حملة الشهادات، لكنه عميق في استشرافه للمستقبل ونقدي وشكاك في نظرته للماضي. تمتليء البلدان العربية بشعراء وكتاب وفنانين وأكاديميين وسياسيين ورجال دين وفقهاء جهلة ومغفلين يتناسلون مثل الكمأة في الغابات والصحارى، عددهم يبدو لي أضعاف مضاعفة لما نراه، مقارنة بنسبة المثقفين الحقيقيين، ومقارنة بما لدى الشعوب الأخرى. لا يوجد شعب بدون دجالين على صعيد الثقافة والسياسة، لكن سرعان ما يُفتضح أمرهم حينما يوضعون على المحك، بينما الأمر مختلف مع الأميين من المثقفين في البلدان العربية، فهم يتناسلون!  

من حسن الحظ أن للعملية الإبداعية شروطها الصارمة ومذبحها الخاص بها، وناقدها الطبيعي الذي لا يخطيء ولا يرحم، لا يخضع للموضة ولا للمال ولا لسطوة الجسد، متمثلا بالحس الفطري لدى كل كائن سَويّ في التفريق ما بين الغث والسمين.

عادة ما تستشري ظاهرة الأمية الثقافية في البلدان الشمولية والمتخلفة وما شابهها، وتبرز أيضا في البلدان التي انتقلت للتو نحو الديمقراطية. على أنها ظاهرة تُرافق الأمم المتخلفة أكثر من سواها.

من بين أهم معالم الأمية الثقافية هو التحجر الفكري والعقائدي، والتزمّت الديني والقومي، والآيديولوجي والمذهبي، وضيق الأفق بكافة أشكاله، والتعصب الأعمى لهذا الطرف دون سواه(وهذه هي الجاهلية الأولى)، مع بروز واضح للضحالة الفكرية والإبداعية، مصحوبة بشحة في التألق في مجال الممارسة الثقافية. إضافة إلى ظاهرة ملفتة للنظر تتمثل في السلوك المشين المنافي لمنطق كلمة ثقافة أساسا.

تجد "المثقفين الأميين" في أوساط اليسار وأوساط اليمين، في أوساط المؤمنين وأوساط الملحدين، لكنه أمر نادر الحدوث في أوساط العقلانيين والمبدعين الحقيقيين، في أوساط  المؤمنين الحقيقيين وذوي العرفان. في أوساط من يحتكمون إلى العقل وإعماله. في أوساط من يُعلي الكلمة والمعرفة والقيم الإنسانية على سواها

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر